السيد محمد باقر الصدر

43

محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 )

غرار بحث المتقدّمين الذين أسّسوا لهذا الغرض علمَ المنطق . وأمّا في طريقة التوالد الذاتي ، فيجب أن لا نبحث عن شيء خارج عن نطاق فكر الإنسان ؛ فإنّ موضوع بحثنا هو نفس فكر الإنسان ، وليس من وظيفتنا أن نتساءل عن السبب الخارجي الذي أدّى بهذه الفكرة إلى أن ولّدت تلك الفكرة ، بل وظيفتنا أن نتساءل عن السبب الداخلي لذلك ، فنبحث عن العلّيّة في الداخل لا في الخارج . في المنطق العقلي كنّا نبحث عن الصغرى وعن الكبرى في الخارج ، وكنّا نبحث عن سبب تولّد العلم بالنتيجة من خلال الصغرى والكبرى . وفي هذه الأجواء يكون تولّد العلم بالنتيجة على أساس بديهي من البديهيات ، والأمر البديهي أمرٌ واقعي ثابت في نفس الأمر والواقع ، مع قطع النظر عن وجود أيّ فكر إنساني ، وهذا البديهي مفاده أنّ « الشيء الشامل لشيءٍ شاملٌ لما يشمله ذلك الشيء الآخر » . أمّا في المنطق الذاتي ، فعندما تتولّد فكرة من فكرة أخرى بلا ربط لزومي بين موضوعيهما ، لا نبحث عن سرّ هذه السببيّة خارج نطاق الفكر البشري ، وإنّما نبحث عنها داخل هذا النطاق ؛ أي أنّنا نبحث عن امتياز هذه الفكرة التي ولّدت تلك ، وعن السبب الذي يقف وراء توليدها هي بالذات لها دون غيرها من الأفكار ، فنقف على الخصوصيّات الذاتيّة لنفس الفكرة ، لا الأمور الواقعيّة خارج نطاق الفكر والمفكّر . ومن هنا نسمّي هذا المنطق : ( المنطق الذاتي ) ؛ لأنّه المنطق الذي يكشف قوانين علّيّة الأفكار بعضها لبعض . ومن هنا يظهر بأنّ المنطق الذاتي يختلف موضوعاً عن المنطق العقلي : فإنّ موضوع الأخير هو نفس الأمر والواقع كما ذكرنا ، بينما موضوع المنطق الذاتي بحسب الحقيقة هو الفكر البشري بما هو هو ، فنبحث عن العلّيّة والسببيّة